الشنقيطي

509

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الآن » « 1 » وأمثال هذا كثيرة . والقاعدة المقررة عند العلماء : أن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه . والتسبيح في اللغة : الإبعاد عن السوء ، وفي اصطلاح الشرع : تنزيه اللّه جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح والظاهر أن قوله وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) مؤكد لقوله : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ والموجب لهذا التأكيد : أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق العادة ، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة . وقال الزمخشري وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) أي قادرين على أن نفعل هذا . وقيل : كنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك . وكلا القولين اللذين قال ظاهر السقوط ؛ لأن تأويل وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) بمعنى كنا قادرين بعيد ، ولا دليل عليه كما لا دليل على الآخر كما ترى . وقال أبو حيان وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهن ، والطير لمن نخصه بكرامتنا ا ه ، وأظهرها عندي هو ما تقدم ، والعلم عند اللّه تعالى . وقوله تعالى : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) [ 80 ] . الضمير في قوله عَلَّمْناهُ راجع إلى داود ، والمراد بصيغة اللبوس : صنعة الدروع ونسجها ؛ والدليل على أن المراد باللبوس في الآية الدروع : أنه أتبعه بقوله لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض ، لأن الدرع تقيه ضرر الضرب بالسيف ، والرمي بالرمح والسهم ، كما هو معروف . وقد أوضح هذا المعنى بقوله : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [ سبأ : 10 - 11 ] فقوله أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ أي أن اصنع دروعا سابغات من الحديد الذي ألناه لك . والسرد : نسج الدرع . ويقال فيه الزرد ، ومن الأول قول أبي ذؤيب الهذلي : وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع ومن الثاني قول الآخر : نقريهم لهذميات نقد بها * ما كان خاط عليهم كل زراد ومراده بالزراد : ناسج الدرع . وقوله وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي اجعل الحلق والمسامير في نسجك الدرع بأقدار متناسبة ؛ فلا تجعل المسمار دقيقا لئلا ينكسر ، ولا يشد بعض الحلق ببعض ، ولا تجعله غليظا غلظا زائدا فيفصم الحلقة . وإذا عرفت أن اللبوس في الآية

--> ( 1 ) أخرجه عن جابر بن سمرة مسلم في الفضائل حديث 2 .